فن وإبداع 1 يناير 2026

بيت المرايا: عندما يتحول الحلم إلى وهج خالد

المنزل الوحيد في العالم المغطى بالكامل بفسيفساء المرايا. قصة إبداع امرأة حولت جدران منزلها إلى لوحات تحكي أسرار الكون.

ت
فريق التحرير
توب اتراكشنز الكويت
بيت المرايا

في شارع هادئ بمنطقة القادسية، يقف منزل يختلف عن كل منازل الكون. من الخارج، تزينه جداريات زجاجية تلمع تحت شمس الكويت الحارقة، ولكن السحر الحقيقي يكمن في الداخل. إنه "بيت المرايا"، تحفة فنية معمارية فريدة من نوعها، مسجلة عالمياً كأحد أغرب وأجمل البيوت السكنية. هذا البيت ليس متحفاً بارداً، بل هو منزل دافئ عاشت فيه عائلة فنية مبدعة، ولا تزال تسكنه روح الإلهام حتى عام 2026.

بدأت الحكاية في عام 1966، بصدفة بسيطة. الفنانة التشكيلية الإيطالية المولد، ليديا القطان، زوجة الفنان الكويتي الرائد خليفة القطان، أرادت أن تمنع ابنتها الصغيرة "جليلة" من العبث بالدهانات على الجدران. فقررت تغطية خزانة صغيرة بقطع من المرايا المكسورة. أعجبتها الفكرة، وأعجب زوجها بالنتيجة، فقررت التوسع. وبدأت رحلة استمرت عقوداً، حولت فيها ليديا كل سطح في المنزل إلى لوحة فنية من المرايا.

ليديا القطان: امرأة من زجاج ونور

ولدت ليديا في إيطاليا، وعشقت الكويت منذ قدومها إليها. آمنت ليديا بأن الفن يمكن أن يكون علاجاً ووسيلة للارتقاء بالروح. استخدمت في مشروعها أكثر من 70 طناً من المرايا (حسب بعض التقديرات)، قامت بقصها وتشكيلها ولصقها بنفسها بصبر أيوب وشغف فنان لا يكل. تروي ليديا أن العمل بالمرايا كان يمنحها طاقة إيجابية، فكل قطعة تعكس الضوء وتطرد الطاقة السلبية من المكان.

جولة داخل عالم الانعكاسات

الدخول إلى بيت المرايا هو مثل الدخول إلى جوف ماسة عملاقة. كل شيء يبرق، كل زاوية تعكس صورتك ألف مرة. البيت مقسم إلى قاعات، لكل منها موضوع ("ثيمة") فلسفية وفنية خاصة:

الطابق الأرضي

  • قاعة كوكب الأرض: هي الصالة الرئيسية، وتغطيها جداريات تمثل القارات والمحيطات والطبيعة. السقف مزين بأشكال ترمز إلى السماء، والأرضية تعكس تضاريس الأرض. هنا تشعر بأنك جزء من هذا الكوكب الجميل والهش.
  • ممر الشعوب: ممر طويل يضم جداريات تصور شعوب العالم المختلفة بأزيائهم التقليدية، في رسالة محبة وسلام توحد البشرية.
  • غرفة أسماك القرش: قد يبدو الاسم مخيفاً، لكنها غرفة مذهلة تصور أعماق البحار، حيث تسبح القروش والأسماك وسط أمواج من المرايا الزرقاء والفضية. حتى الحمام في هذا الطابق لم يسلم من لمسة ليديا، حيث تحول إلى تحفة فنية مدهشة.

الطابق العلوي: رحلة إلى الفضاء

عند صعود الدرج، الذي ترمز درجاته إلى الصعود من الأرض إلى السماء، تصل إلى الطابق الأول (العلوي) الذي يركز على الكون والفضاء.

  • قاعة الزودياك (الأبراج): السقف هنا مغطى بلوحات تمثل الأبراج الفلكية الاثني عشر والمجرات. الإضاءة الخافتة تجعل المرايا تبدو كأنها نجوم تتلألأ في سماء ليلية صافية.
  • غرفة الكون: تمثل الانفجار العظيم وبداية الخلق، بتشكلات زجاجية معقدة وألوان جريئة.
  • معرض خليفة وليديا: يضم الطابق أيضاً قاعات تعرض اللوحات الزيتية والتماثيل للفنان الراحل خليفة القطان، مؤسس الفن التشكيلي في الكويت ومبتكر المدرسة "الدائرية" (Circulism)، بالإضافة إلى أعمال ليديا نفسها في الرسم والنحت وصناعة المجوهرات.

التقنية والمواد: سيمفونية الصبر

تستخدم ليديا المرايا بمختلف الأشكال والأحجام. بعضها تتركه كما هو، وبعضها تكسره عن قصد لتحصل على شظايا حادة، والبعض الآخر تقوم بحفه وصنفرته ليكون آمناً للمس. المواد المستخدمة بسيطة: مرايا، غراء أبيض قوي، ومعجون خاص للفراغات. لكن السر يكمن في الرؤية الفنية والقدرة على تحويل مواد صلبة وباردة إلى أشكال عضوية ناعمة تحكي قصصاً.

الحجز والزيارة: تجربة حصرية

تنبيه هام: بيت المرايا ملكية خاصة، ولا يزال مسكناً للفنانة وابنتها. لا يمكن الدخول إليه كأي متحف عام. الزيارة تتطلب حجزاً مسبقاً وتنسيقاً.

كيفية الحجز: يمكن الحجز عبر الموقع الإلكتروني الرسمي لبيت المرايا أو الاتصال الهاتفي. يفضل الحجز قبل عدة أيام، خاصة للمجموعات.

الجولة: ما يميز الزيارة هو أن الجولة غالباً ما تكون بصحبة الفنانة ليديا نفسها (إذا سمحت صحتها) أو ابنتها جليلة. سيستقبلونكم بكرم الضيافة الكويتية (شاي وقهوة وحلوى منزلية)، ويحكون لكم قصص كل غرفة وقطعة. هذه اللمسة الإنسانية تجعل الزيارة لا تُنسى.

متجر الهدايا: في نهاية الجولة، يمكنك شراء كتب توثق تاريخ البيت والفن الكويتي، أو مجوهرات وقطع فنية صغيرة من صنع الفنانة كتذكار لهذه الزيارة الفريدة.

بيت المرايا هو درس في العزيمة والشغف. إنه يثبت أن الفن لا يحتاج إلى متاحف ضخمة، بل يمكن أن ينمو ويزهر في زوايا منزل دافئ، ليصبح منارة جمال تدهش العالم.